جلال الدين السيوطي

86

معترك الاقران في اعجاز القرآن

وكذلك المؤمن يخاف من غمّ القيامة ، فيسمع النداء : لا تخف [ 232 ا ] ؛ فالمراد به غيرك . ( فَتَنَّاكَ فُتُوناً ) « 1 » ؛ أي اختبرناك اختبارا حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوءة والرسالة . وقيل : خلّصناك من محنة بعد محنة ؛ لأنه خلصه من الذبح ، ثم من اليمّ ، ثم من القصاص بالقتل . والفتون يحتمل أن يكون مصدرا أو جمع فتنة . ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ) « 1 » : يعنى الأعوام العشرة التي استأجره فيها شعيب لرعى الأغنام ، فقال له شعيب في العام الرابع : يا موسى ، كلما ولدت أنثى من الحملان فهي لك في هذه السنة ، فكان موسى يلقى عصاه في الماء ، ويسقى الأغنام منها ، فولدت كلها أنثى في تلك السنة ، فقال شعيب عليه السلام في السنة العاشرة : كلما ولدت ذكورا من الحملان فهي لك ؛ فولدت في تلك السنة كلها ذكورا . فاجتمع له أغنام كثيرة ، فرجع مع أهله إلى مصر ؛ فآنس في الطريق نارا ، كما قال اللّه تعالى ، فلما دنا منه الكليم صار نورا ، وكذلك نار الخليل لما دنا منها الخليل صارت روضة ورحمة . وكذلك جبّ يوسف كان مملوءا عفاريت وحيّات ، فلما دنا منه الصديق صار رحمة ، وكذلك البحر لما دنا منه الكليم صار يبسا ، وكذلك القبر موضع الوحشة والديدان فإذا نام فيه الحبيب صار عليه روضة من رياض الجنة . وكذلك يوم القيامة - يوم الحسرة والندامة - فإذا قام فيه الحبيب يصير يوم العزّ والقربة ، والدنوّ والرتبة . وكذلك النار موضع الملامة فإذا دخل عليها الحبيب صار موضع إظهار الكرامة .

--> ( 1 ) طه : 40